هذه الموسوعة

بقلم: محرر الطبعة العربية
مجاهد مأمون ديرانية
منذ نحو عام من الزمان تسلّمتُ هذه الموسوعة لتحريرها، وهو أمرٌ استسهلتُه وظننت أنني أفرغ منه في أيام معدودات؛ فإن كان الأمرُ كله تصحيحَ أخطاء في اللغة والنحو والإملاء أو تنقيحَ أسلوبٍ وتفصيحَ صياغةٍ فأهوِنْ بها من مهمة. غير أني ما لبثت أن وجدت في النص اضطراباً دفعني إلى العودة إلى الأصل الأجنبي مرة بعد مرة، وسرعان ما وجدت نفسي غارقاً في مراجعة كاملة للترجمة استغرقت أياماً طويلة من العمل المضني والجهد المركَّز. حتى إذا ما أنهيت مراجعة مجلدَي التاريخ (“الحضارات القديمة” و”تاريخ العالم”) ومجلد “العالَم والسكّان” وبدأتُ في مراجعة ترجمة “العلم والكون” وجدت أن العمل بتلك الطريقة لم يعد ممكناً، فقد بتُّ أعيد ترجمة ثلثَي الصفحة بدلاً من تصحيح مفردات معدودة فيها أو سطور، فعندئذ طرحت الترجمة القديمة جانباً وبدأت بترجمة الأجزاء السبعة الباقية من جديد.
وقد سيطر عليّ هاجس الإتقان (الذي أقعُ ضحيّةً له في كثير من الأحيان)؛ فلم أسمح لنفسي بالقفز من فوق المصطلَحات والأسماء العلمية لمئات النباتات والحيوانات (من طيور وحشرات وسواها) ومئات المصطلحات في الطب والفلك والجيولوجيا وسائر العلوم، ولم أقتنع إلا بالاهتداء إلى الاسم العربي الفصيح لكل كائن والمرادف الصحيح لكل مصطلَح، فغرقت في عشرات من المعاجم وعشرات من المراجع المختلفة باحثاً ومنقّباً. ولقد مرت عليّ أيام وأنا أزحف في الترجمة زحفاً لا أكاد أنهي في اليوم بطوله سوى أربع صفحات، واقفاً عند كل اسم من هذه الأسماء وكل مصطلَح. وإني لمَدين بالفضل -في هذا المقام- للموسوعات والمعاجم التي نشرتها “مكتبة لبنان” على مرّ السنين، ولا سيما تلك التي حررها أو أشرف عليها الأستاذ الحاذق أحمد شفيق الخطيب.
لكن هذا كله لم يكن غيرَ أمر يسير مقارَنةً بما انتهى إليه التحرير؛ فقد بدأ شعورٌ يتسلل إلى نفسي وأنا أفرغ من مراجعة الصفحة بعد الأخرى بأن هذه الموسوعة ليست لنا. ولكن أي غرابة في ذلك ما دام الذين كتبوها ليسوا منا ولا ينتمون إلينا؟ غير أن هذا لم يكن مبرراً للاستسلام وترك الأمر على حاله؛ فهذه الموسوعة قد تُرجمت إلى العربية، وهي سوف تُنشر في بلاد عربية بلسان عربي ليقرأها عرب ومسلمون. فلم يُرضِني أن أترك ما فيها على حاله، وذهبت أشتغل فيه بالتصحيح والتنقيح حيناً وبالتعديل والتبديل حيناً آخر، حتى اطمأننت (أو كدت) إلى أنها موسوعة تستحق أن يشتريها قارئ عربي مسلم ليَقرأها ويُقرِئها أبناءه، مطمئنّاً إلى سلامة محتوياتها ومغلّباً احتمالَ النفع بها. وهذا ما صنعته فيها بإيجاز:
اصطدمت في مجلد “الحياة والإنسان” بمسألة الخلق وأصل الحياة، فقد حاولت الموسوعة الترويجَ لنظرية التطور التي تصرّح بخَلْقٍ من غير خالق، فصحّحتُ الموضوع بما هو أقرب إلى الحقيقة. ثم وجدت غَلَبة هذه النظرية في كثير من فصول هذا المجلد ومجلدَي “الحيوانات” و”الأرض” أيضاً، فتتبعتها كلها ونقّحتها واستبدلت بكل ذلك تقريراً لحقيقة الخلق وعظمة الخالق، ثم أفردت في آخر مجلد “الحيوانات” فصلاً يبيّن خرافات نظرية التطور وينقض أساسَها.
ووجدت في مجلد “العالَم والسكان” فصلاً عن اللغات وتاريخ الكتابة والأبجديات ليس فيه للّغة العربية أي ذكر، فأضفت بحثاً موجزاً في هذا الموضوع. ثم عمدت إلى مباحث هذا المجلد عن الأديان فنقّحتها وصحّحتها وزدت عليها وأنقصت منها، أما الفصل الخاص بالإسلام فقد حذفت مادته الأصلية كلها وأعدت كتابته بالكامل.
وكان مجلدا التاريخ (“الحضارات القديمة” و”تاريخ العالم”) من أكثر المجلدات التي وجدت الحاجة ملحّة لتعديلها، فالأول منهما لم يترك جماعة من الجماعات البشرية القديمة إلا تحدث عنها، إلا العرب فلم يَرِدْ لهم ذكرٌ قط؛ فأنشأت فصلاً خاصاً عن العرب القدماء وفصلاً آخر عن تاريخ فلسطين القديم يفنّد ما يزعمه اليهود من حق تاريخي لهم فيها، وهو زعم وجدت الموسوعة تمشي في ركابه. أما في “تاريخ العالم” فقد أعدت كتابة المادة التاريخية الخاصة بالعالم الإسلامي، لكن بقيت في نفسي حسرة وأنا أحس بضرورة إضافة أبواب جديدة تفصّل تاريخَ الأمة المسلمة (بدلاً من فصول لا ضرورة لها عن القلاع والفروسية وسواها من معالم التاريخ الأوروبي)، ولولا أن الوقتَ ضاقَ وأوانَ دفع الموسوعة إلى المطبعة آنَ لفعلت ذلك كله. وبعد ذلك عدّلت قوائم التاريخ في آخر هذا المجلد فحذفت كثيراً ممّا لا يهمّنا وأضفت عشرات التواريخ التي تؤرّخ أحداثاً مهمة في تاريخ الأمة المسلمة.
أما المجلد الذي شغلني أكثر ما شغلني فهو “بلدان العالم”؛ فقد أورثتني مراجعتُه مرارةً لم أجد حلاً لها إلا بنقض الكتاب كله وإعادة بنائه؛ إذ وجدت أننا أمة من ألف مليون وأربعمئة مليون إنسان يكوّنون رُبع سكان الأرض وتمتد بلادهم عبر أكثر المعمور منها، ثم وجدت أن الموسوعة قد منحتنا ثلاثَ صفحات من أصل ستين في هذا المجلد لا غير! وإن من أعجب العجب أن تستحق إيطاليا -بمقياسهم- صفحة كاملة وتستحق الولايات المتحدة صفحتين، ثم لا تستحق ثلاث عشرة دولة عربية وإسلامية (الجزيرة العربية كلها وبلاد الشام والعراق وإيران) سوى صفحة واحدة!
ولم أقتصر على تقليص المساحات التي مُنِحت للدول الأوروبية والأمريكية وأوسّع تلك الخاصة بدولنا العربية والإسلامية (مُعيداً كتابة مادتها من الأساس)، بل أعدتُ ترتيب الكتاب كله ليبدأ بعالمنا العربي والإسلامي بعدما كان استهلاله بأمريكا وأوروبا من بعدها. ثم قمت بالعمل الأهم وهو أنني تتّبعتُ قضايا المسلمين في كل مكان في الدنيا فعرضتها في مواضعها بأكثر ما استطعت من وضوح تتسع له المساحة المتاحة، وأخيراً أثبتُّ نسبة المسلمين في أكثر الأقطار معتمِداً على آخر ما توفّرَ من إحصاءات وقت صدور هذا الكتاب.
ذلك ما اجتهدته وعملته في هذه الموسوعة، ولقد بذلت فيها غاية الجهد غيرَ طامع إلا برضا الله، فما أكثرَ الهدّامين وما أقل البنّائين في ثقافتنا اليوم، فلئن نجحتُ في أن أكفّ شيئاً من جهد الهدم أو أسهم بشيء من جهد البناء فحسبي بهذا جزاءً على عملي، ولئن وُفِّقت فيما أردت فإنما ذلك بتوفيق من الله، وإن يكن غيرَ ذلك فلست سوى إنسان يخطئ ويصيب. وأسأل الله أن يجعل عملي هذا وجهدي خالصاً له وأن أجده في صحيفتي يوم الحساب.

مجاهد مأمون ديرانية
6 آذار (مارس) 2004
(15 محرم 1425)

التوزيع في المملكة العربية السعودية ودول الخليج
Pioneer House

البحرين 7293629

الخبر 8995233
مسقط 24796414

جدة 6750053
الكويت 2440947

الرياض 4791623
دبي 2826005